حيدر حب الله
40
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
ثالثاً : لست ممّن يؤيّد المنطق الجزمي في المعرفة ، بحيث يقول دائماً : قطعاً ، يقيناً ، جزماً ، لا خلاف فيه ، مسلّم ، لا نقاش فيه ، أبده من البديهي ، واضح جدّاً ، وغيرها من التعابير التي تلغي مساحة الفرضيّات الأخرى في البحث ، لهذا يجب التمييز في عالم التعابير بين مدرستين : مدرسة جزميّة لا تؤمن بالتعدّدية المعرفيّة ، ومدرسة تؤمن بالتعدّدية المعرفيّة وإمكانيّة النقص في المعرفة ، وأنّ المعرفة كلّها ليست حكراً عليّ . وفي أدبيّات المدرسة الثانية سنجد كثيراً تعابير مثل : غالباً ، قد ، يبدو لي ، ربما ، يحتمل ، بعيد ، كثيراً ، ليس ثابتاً ، مرجوح ، راجح ، أرجّح ، لعلّ ، بعض الأحيان ، البعض ، و . . إنّ اختلاف أدبيّات التعبير بين هاتين المدرستين يدلّ على أنّ كلّ واحدة منهما تنظر للفكر الآخر بطريقة مختلفة ، رغم اشتراكهما في كونه فكراً آخر لا يتبنّيانه ، فالمدرسة التعدّدية تنظر إليه - مهما ابتعد الفكر الآخر عنها - على أنّه في ساحة الحوار المعرفي أمرٌ محتمل ، وأنّ الجزميّات ( الاستحاليّات ) هي قضايا محدودة ، ويحلّ مكانها العلم الاطمئناني الموضوعي ، تماماً كما هي نظرية السيد محمد باقر الصدر في ( الأسس المنطقيّة للاستقراء ) ، وكما هي نظرية بعض العلماء الإخباريين في العلم المطلوب في العقائد والأحكام ، كما فصّلتُ ذلك في كتابي ( نظرية السنّة في الفكر الإمامي الشيعي ) ، فإنّ اليقين هو أن أثبت ( أ ) ل - ( ب ) ، دون أن أتوصّل بالضرورة لاستحالة عدم ثبوت ألف لباء ، ويمكنكم مراجعة البنية التحتية الفكرية لهذا النوع من التفكير عموماً في القضايا الكلامية والفقهية والثقافية والاجتماعية وغيرها في كتابي المتواضع ( التعدّدية الدينية ، نظرة في المذهب البلورالي ، نشر دار الغدير ، بيروت ، 2001 م ) . لاحظوا هذا الامتياز بين المدرستين في الأدبيات التعبيرية على مستوى أسماء